الأربعاء، 4 نوفمبر 2015

ترنيمة المحكمة.

قِفْ فَأنْتَ
فِي قَاعَةِ مِحْكَمَةْ؛

حَاجِبُهَا يَصُيِحُ
كَمُؤَّذِنٍ يَعْتَلِي المِئْذَنَةْ.

ودِفَاعُكْ 
يُجَهِّزُ عِتَادَهُ
فاليَومَ يُومُ المَلْحَمَةْ.

وأنْتَ خَلْفَ القُضْبَانِ
تَضْحَكُ عَلَى ادِّعَاءٍ 
يَتَوعَّدَكَ بِحَبْلِ المَشْنَقَةْ.

وتُوشِكُ يَدَاكَ بِأنْ تُصَفِّقْ 
لِرَوعَة حَبْكِ المِهْزَلَةْ.

"أتَّدَعِي المَسْكَنَةِ...
في هَذِهِ المَسْألَة؟

ولماذا لَسْتُ بِوَاقِفٍ
وأنْتَ في قَاعَةِ مِحْكَمَةْ؟"

قُلْ بِئْسَ الحَكَمُ 
والحُكُمُ والمَحْكَمَةْ...

فلْتَشْنِقُونِي أو لتَحْبِسُونِي،
أو لتُرسِلُونِي إلى الإِسْكَلَةْ*.

فالمَاثِلُ أمَامَ سِيادَتِكُمْ
مُتَّهَمٌ بِإثَارَةِ البَلْبَلَةْ!

*******

Odd Nerdum - Self Portrait As A Dog.
*)الإِسْكَلَةْ: مرفأ السفن.

أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 28 سبتمبر 2015

ترنيمة الموت.

قِفْ عند المضيقِ...
وبعثر الأوراقْ.

وأذرف دموعك...
وألعن الأقدارْ.

فلست لأحدٍ قُرةَ عَينٍ
لست بيعقوبَ أو إسحاقْ.

*******

جفّف دموعك وأنتصب...
فالربٌّ أختارك من الأخيار.

إن مِتَّ فلك جنّةٌ،
ليس الجحيم كما الأشرار.

جفّف دموعك وأنتصب...
وأرفع جبينك للإشراق.

فغدًا سترحل...
لتحِّل كغضب الله على الفُجّارْ.

*******

على الجانب الآخر من الجبهة، يخطب قائد الجيش الآخر في الجنود:

’’جفّف دموعك وأنتصب...
فالربٌّ أختارك من الأخيار.

إن مِتَّ فلك جنّةٌ،
ليس الجحيم كما الأشرار.

جفّف دموعك وأنتصب...
وأرفع جبينك للإشراق.

فغدًا سترحل...
لتحِّل كغضب الله على الفُجّار.ْ‘‘


ليهلل الجنود: غضب الله على الفجار! غضب الله على الفجار! غضب الله على الفجار!
وليبتسم القائد.

*******
تمت.


.Art by: Blu


أراكم المرة القادمة...

الخميس، 20 أغسطس 2015

بول شيت - 14#: خيالات.

خيالاتٌ، تراودني
خيالات.

خيالاتٌ... تقول عائلتي
أنهّا تفاهات.

خيالاتٌ، تحاصرني...
شرقًا وغربًا
وفي كل الاتجاهات.

خيالاتٌ متقلبّةٌ
لها حالات...

تلهمني
عندما أكتب...
وفي الليل
عندما أحلم...
عِجفات.

تشاركني سعيدًا،
وفي وحدتي
تبعث لي
سلامات.

خيالاتٌ، تراودني
خيالات.

خيالاتٌ... تقول عائلتي
أنهّا تفاهات.

خيالاتٌ، تحاصرني...
شرقًا وغربًا
وفي كل الاتجاهات.

*******

.Portrait by Laurence Demaison


أراكم المرة القادمة...

الثلاثاء، 18 أغسطس 2015

البلا بلا بيليڤز.

أتذكر ذات مرةٍ عندما كنت صغيرًا في أحد حلقات تحفيظ القرآن في المسجد المجاور لبيتي أن أحد الشيوخ كان قد سمع أحد الأطفال يردّد بعض الكلمات الإنكليزية التي حفظها في المدرسة داخل المسجد بينما كان يسترجع ما حفظه قبل التسميع[1]، وكان من بين تلك الكلمات كلمة Mosque، فلمّا سمع الشيخ هذه الكلمة أغلق المصحف الذي كان يقرأ فيه وجمعنا أمامه وأخذ يحدّثنا عن أهميّة اللغة العربية في البداية... وأن نولي لها الاهتمام فهي لغة القرآن، وأهل الجنّة وما إلى ذلك... ثم جلس وأسند ظهرة إلى أحد عواميد المسجد وقال وقد بدى عليّه التأثر...
«هل تعلمون ماذا تعني كلمة Mosque التي يعلمّونكم إيّها في المدارس، كلمة Mosque تعني المستنقع الذي يعيش في البعوض، مساجد المسلمين الطاهرة في الإنكليزية تعني المستنقع العفِن الذي يعيش فيه البعوض. فلا تقولو Mosque وقولوا مسجد.»[2]
ثم استدرك مجددًا، وقال:
«وكلمة bye أيضًا... تعني "في رعاية البابا!"»[3]
لم نكن قد تجاوزنا الثانية عشر بعد، وكان وقع تلك الكلمات علينا عظيمًا، كم هم أشرار هؤلاء الإنكليز الملاعين، يدّنسون كل شيءٍ حتى الشيبسي وبطاقات البوكيمون[4] المحملة بالسرطان، لم يكفيهم ما فعلوه بفلسطين، يتآمرون علينا حتى نصبح مرضىً حين نكبر، ولا نستطيع أن نحرر الأقصى.

لم يكن يعلم هؤلاء الشيوخ وهؤلاء الناس أننا سنكبر يومًا ما وستتطور التكنولوجيا إلا هذه الحد وأننا سنعرف الحقيقة وسنقرأ مناهج أخرى غير مناهجهم، وستنكشف خرافاتهم، واستغلالهم عقولًا كان بالإمكان أن تصبح بيئة مناسبةً للإبداع، ولكنهم أفسدوا أكثرها بالخوف والمؤامرة التي وضعوا بذرتها بينما كنّا صغارًا، وسقوها بالخرافات على مدار سنين حياتنا وحين أزهرت وأينعت أخرجت شبابًا مستهلكًا منكسرًا بالخرافات، مشبقًا بخرافاتهم ومستسلمًا للسيناريو المكتوب، والمحتوم بالنسبة إليه.

ستنهي دراستك، وستخدم بلدك، ثم تفني آخر ما تبقى من شبابك "بتكّون نفسك"، ثم ستجلس في إحدى الصالونات المُدّبرة، حيث تحالف الآباء وتلاقت مصالحهم، ستجلس وسيُقدّم أمامك شرابٌ أحمر مرتبط ومزروعٌ في عقلك وعقلها بالفرح ومحفور في ذهنك يوم سبوعك[5] حين دُقَّ الهون، وقامت جدتك بوصمك بفروض الطاعة... ستجلس، وستشير موافقًا على كل الطلبات التي يطلبها الوالد طوعًا أو كرهًا، فلم تعد تطيق كلام الناس المسموم حولك "مش هتفرّحنا بقى يا معلم" وسأمت أيضًا الإيجار، وقيوده وكم المُلّاك الذين لا يريدون عزابًا، وكأن السبب الوحيد لشابٍ عازب لإيجار شقةٍ هو "علشان يجيب بنات"...

وعلى الفتيات أن تقبل أيضًا، حتى لا يفوتهم قطار العمر، وشبح العنوسة، وجلسات النميمة حيث يتفاخر كل منها بكم شابًا طرق بيتها ليطلب يديها، ورفضته، وهي في الحقيقة لم ترفضه بل رفضه والدها... هذه الجلسات إن نجحت، تخرج لنا نموذجًا محفوظًا من الأسرة المصرية الخالصة المتحفظة ذات الطفلين الأب عبارة عن كرشٍ متحرِّك، والأم عبارة عن شكلٍ اسطوانيّ مُنهّك القوىّ، لا هم لّهذه الأسرة إلا أن تعيد دورة حياتها عبر أطفالها فتزرع فيهم كل الأفكار التي تربوا عليّها ليمّرروا كل الأفكار القمعية المزرية التي عفي عليها الزمان، فيمرروا الاستقرار، والفهلوة والمشيّ جنب الحيط، والتدّين المُحافظ المُنافق...

Photo credit: http://www.arabacademy.com/

يؤمنون ولا يؤمنون، كل إيمانهم ومعتقداتهم وأفكارهم تضيع وسط الاستقرار والفهلوة والتدين المصلحة والبلا بلا... معتقدات البلابلا، أو البلا بلا بيليڤز، معتقدات تترك للمصلحة، وتؤخذ للمصلحة، ومن المصلحة وفي المصلحة، فكل ما هو مصلحة حلال، وكل ما فيه تضارب هو حرام... وتسرّبت هذه الشخصية الى السياسة، بعد أن تشبّعت بالدين، وأحتفظت بالبلا بلا بيليڤز خاصتها... مع الرصاص إذا كانوا هم مطلقيه، وإن كانوا في الجهة الأخرى أوسعونا كلامًا عن حرمة الدم، مع الغناء إن كانوا هم منشديه وضد الغناء إذا كان مُنشده آخرون. يقتبسون القرآن ليماشي قصصهم، وعندما يقتبسه آخرون يرمونه بالكفر والضلال.

يصبحون مهوسين بالسيطرة والسلطة، فلم يختاروا شيئًا في حياتهم، كل شيءٍ أختاره لهم مجتمعهم، فيظنون أن بإمكانهم الاختيار للجميع، تطبيق نهجهم ورؤيتهم، أنهم ولي أمرك من يحق له الاختيار وأنت ما هو إلا تابع حقير، لإن أتوا بالديموقراطية، فلتحيا الصناديق... وإن لم يأتوا بها فالصناديق رجسٌ من عمل الشيطان، والشورى هي الحل! استغلال الأميّة... يصبح الأمي مجاهد لخدمة للخير الأكبر، وإن أستغل أخرون الأميّة... فيصبح الأميّ عبد البيادة والعسكر...

وتستمر الدائرة بالدوران، في تخليق أشخاصًا بالبلابلا بيليڤز، فنفس طريقة التربية تُمرر عبر الأجيال، نفس الوسيلة، نفس السلعوة، ونفس أبو رجل مسلوخة، ونفس الخرافات تُمرر... نفس الكذبات ونفس السيناريو المكتوب... بلا أي إضافات... سوى المزيد من الأطفال والمزيد من النسل التالف.


أراكم المرة القادمة...

[1] التسميع: هو أن تقرأ على الشيخ القرآن الذي حفظته بدون مصحف، والجزء الجديد المحفوظ يسمى "اللوح" والجزء الذي حفظته يسمى "مراجعة" وهي مصطلحات تدّون غالبًا في كراسة.
[2] يوجد أربعة احتمالات لأصول كلمة Mosque ، وهم إما من الفرنسية: mosquée أو من الإيطالية القديمة: moschea أو من الإسبانية القديمة: mezquita أو من العربية: مسجد وجميع الأصول الفرنسية والإيطالية والأسبانية تعني مسجد. ولا يوجد أي دليل على أن كلمة Mosque مستمدة من كلمة إسبانية أو إنجليزية عني بعوض.
[3] Bye، هو اختصار دارج لكلمة Goodbye، وهذا المصطلح مستمد من مصطلح آخر قديم God b' wy والني تحولت أواخر القرن السابع عشر إلى good-b'wy. ولا يوجد دليل يدعم خرافة البابا.
[4] انتشر في تلك الفترة إنيمي مُدبلج يسمي البكيمون، وبعد انطلاقه أطلقت شركة شيبسي في منتجاتها بطاقات البوكيمون هذه، وفور نزول المنتج انطلق شائعة أن هذه البطاقات تحمل مرض السرطان، وإنّك يمكن أن تراه وتشمه بأنفك إن أحرقت هذه البطاقات على النار.
[5] السبوع: أحد العادات والطقوس المصرية القديمة، وفيها يتم وضع الطفل على صينية وغناء بعض الأناشيد الغير مفهومة، وتقوم غالبًا إحدى السيدات الكبيرة بدق الهون وترديد وصايا للمولود كأن يكون مطيعا لوالديه أو غيره.

الثلاثاء، 21 يوليو 2015

ذكريات عالقة في وش النسكافيه.

كانت مع بدايةِ كابوسٍ يعايشه كل مصريّ؛ كابوسٌ يأتي في مراحل التكوين الأولى للشخصية، ماذا تريد، وكيف أنت؟ ولم؟ في وقت تجاهد فيه كل شيء تقريبًا حتى جسدك الذي تُؤّرقه الهرمونات والعضلات وحب الشباب ونظرات أهلك وأقاربك التي يملئها الأمل الذي يشوبه الحسرة والحزن والتعبير الدارج "والله وكبرت يا..."...

الكابوس يدعى الثانوية العامة، فيه تتخذ قرارًا مسبق تغامر به بمسار حياتك بأكملّه... مقابل ماذا ستحفظ، وأنواع الكتب التي ستحفظها؟ أهي كتب أحياء، تاريخ؟ أم نوعيات مسائل وأفكار! وسيكون عليك أن تصبح وتمسي على موادٍ لا تؤّهلك لشيء سوى إختبار "المليء والصب" حيث تملأ نفسك بالمعلومات التي لا قيمة لها سوى أن تصبها لاحقًا في الامتحان. فتقضي نهارك في الدروس الخصوصية، فيتوجب عليك السهر ليلًا... ويتحتم عليّك البدء بشرب الكافيين، وهكذا تبدأ أول ذكرياتي تعلق بوش النسكافيه.

******* 

ثم كانت ثورة تونس، تبعتها ثورة يناير بدون أي مقدمات، لأستيقظ صبيحة 23 يناير على دعواتٍ على الفيس بوك عن ثورة للعدالة الاجتماعية وعلى شباب قد بدأوا ينسابون في الميادين، كنت في المرحلة الأخيرة من الثانوية العامة، وكان من الصعب عليّ حتى متابعة الأخبار على التلفزيون، فالصباح كان مُستهلَكًا تمامًا في الدروس الخصوصية، واستمرت صحبة السهر... المكتب الكئيب بملازمه العقيمة وبالطبع النسكافيه، ولكن هذه المرة كانت هناك إضافة جديدة وهي الهاتف، حيث ظهرت في تلك الفترة ثغرات الإنترنت الـOpera، والـHandlers والـCracked Browsers فبدأت أتتابع الثورة بشغف عبر الهاتف، ووقتها شعرت لأول مرةٍ بالفراغ، خاصة مع بداية فوضى المصطلحات التي صاحبت الثورة وأدركت حينها أنني جاهلٌ كليًا بالسياسة حتى المعلوماتِ العامة منها، ومضت الأيامُ وأجهضت الثورة بنجاح، وتفرقت الفرق، وبدأت أتابع الأخبار وأقرأ الكتب لأول مرة بعد سلاسل ما وراء الطبيعة، والرجل المستحيل، وبدأت رحلتي مع تبسيط الليبرالية، الجمهورية لأفلاطون، وتبسيط الفلسفة ومبادئ المنطق... تبعها دخولي عالم التدوين، لتعلق ذكرى أخرى في وش النسكافيه لكن هذه المرة للسطحيّ الشغوف الذي يحاول تنوير نفسه.

******* 

مضت الأيام سريعًا، ونجحت في تحصيل قدرٍ كافٍ من المعلومات، لكنني أصبحتُ مغرورًا فخورًا بقلائل الكتب التي قرأتها، كنت ساذجًا، ولم أدرك أن ما زلت ذلك السطحيّ الجاهل الفخور، وضيعّت شيئًا جميلًا بعد اكتراثي والبعد الساذج الذي اكتسبته... ونجحت في إبعاد أول علاقاتي عنّي...

منذ سنتين تقريبًا، كنت في موعدٍ مع أول صديقاتي، وذهبنا في موعدنا إلى إحدى مولات القاهرة، تحديدًا "سيتي سنتر"، وحجزنا تذاكر الفيلم الشهير “Warm Bodies”، وقررنا قتل وقت الانتظار بالجلوس في مقهىً قريبٍ... بادرتها بالكلام، فقد كانت غاضبةً، ولا ألومها على غضبها؛ فكنت قد تجاهلت بعض مكالمتها وبعض رسائل الـSMS –لم يكن الـWhatsapp منتشرًا ذلك الانتشار في 2013-...

- تشربي إيه؟

فأشاحت بوجهها، منتظرة مني الاعتذار، ولكني لم أعتذر... وكأنني فيلسوفٌ أو كاتبٍ مشهور تعانق مبيعاته السماء... لم أذكر لها أنها اختارتني وصبرت عليّ وتحملت عدم مبالاتي الشديدة، وأحاديثي الململة عن زاردشت، وذدت الطين بلةً بأخبارها عن تفاهتها وسطحيتها... خالقًا لنفسي الحق في الحكم على الناس ببضع كتب وآراءٍ متحررة... حتى إنني تماديت أكثر، عندما سألتني عني الحب... وأخبرتها أنّه بسبب التستسرون والأستروجين ليس إلا! كنت عديم الإحساس متفاخرًا بالمعلومات، حتى أنني في خضم شجارنا في ذلك اليوم طلبت نسكافيه! وكم أوّد أن أعتذر منها، فلم تتح ليّ الفرصة أبدًا أن أعتذر لها، لذا أينما كنتي أريدكِ أن تعلمي أنني في غايةِ الأسف... لكِ ولي، وأتمنى لك السعادةَ أينما كنتِ! وهكذا علقت ومازالت عالقةٌ هذه الذكرى في وشِ النسكافيه.

******* 

وهكذا تعلق الأشياء بذاكرتنا، بالمكان، بالزمان وبالأحداث، وربما في أكوابِ قهوتنا أو حتى في انعكاس المرآة، فالحياة مثلها مثل الشريطٍ المصوّر، يتسنى لنا أن نعيش بعد لحظاته مراتٍ ومراتٍ، حتى أن خيار الـRewind متاحٌ، ولكن بطريقةٍ آخرها في الأحلام وفي كل شيء نوّد أن نسترجعه مرة أخرى لنعاود ونندم، ونبتسم، ونعاود ونبتسم ونندم، مهما حاولنا التملص من الأمر وتناسيه ستبقى الذكرياتِ كڤيديو حيث دائمًا الشمس مشرقةً، أو ليلٌ كالح الظلمة، فمهما يكن ومهما سيكون، ستستمر حياتنا، وسيبقى نسكافيهنا لنتذكر الذكريات العالقة لنستمد وقودًا وتصحيحًا ورؤية للمستقبل حيث كل شيء على ما يرام!


وسيبقى نسكافيههنا لنتذكر الذكريات العالقة لنستمد وقودًا وتصحيحًا...



أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 26 يونيو 2015

بول شيت - 13#: لا أبالي.

أين أنتَ أيها الناسك الباكي...
وحدك تعلم كيف حالي؟!

أمضيتُ سنين منتظرًا...
أنتظر الموتَ ولا أبالي.

كيف أصبحُ وكيف أمسي...
بقلبٍ غرتّه الأماني؟

ضريرًا وحيدًا، ألتمس طريقًا...
في غياباتِ عشقٍ دامي.

أتخبط بفعلِ جرحٍ...
قد خلّفه حبٌ سادي.

فأين أنتَ؟ أين أنتَ؟
 أيها الباكي...
وحدك...
 تعلم كيف حالي؟!

سنين
منتظرًا...
الموتَ
ولا أبالي.

ضريرًا...
 ألتمس طريقًا...
قد خلّفه حبٌ سادي.

يصرخ مجنونًا:

’’لا... أبالي...
لا... أبالي...‘‘

ويختفي في الظلام.

*******

.Photo by: Jerry Uelsmann

تمت.


أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 15 يونيو 2015

طقس شيطاني

كان يذهب كُل ليلة إلى مكانٍ مظلمٍ تسكنه الأرواح، يُشاع في القرية أنّه قد ترك الإسلام، وأعتنق ديانةً للشياطين، وكل ليلةٍ يذهب هناك ليؤدي طقوسًا شيطانيةٍ يتقرب بها من إلهه الجديد (لوسيفر)، لم يقترب منه أحدٌ قط، ولم ير أحدٌ وجهه فقد كانت طقوسه دائمًا بعد منتصف الليل، ليبدأ طقوسه اللي لم يعهدها أهل القرية، بعزفٍ منفردٍ للساكسفون يدوم لساعة وفي بعض الأحيان أكثر يصاحبه دائمًا بكاءًا شديدًا، نفس اللحن "صحيح!"، لسباندو باليت... كل ليلة... وفي أواخر عام 2013، كانت قد ضاقت وأستفحلت وأستقوت قلوب متطرفي القرية، فجمعوا أهل القرية، وأعلنوا قرارهم بأنّه يجب أن يُقتل هذا الكافر اللعين الذي يعبد الشيطان ويدّنس أرض قريتهم الطاهرة، وبالفعل ترصّدوا به في اليوم التالي أمام المقابر حيث كان يذهب كل ليلة ليعزف لإبنته الراحلة أغنيّة ما قبل النوم، ليلحق بها هو الآخر، ولكن بظهرٍ قد علق به ساطورٍ كان سبب وفاته.

 بعزفٍ منفردٍ للساكسفون يدوم لساعة...

تمت.



أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 8 يونيو 2015

بول شيت - 12#: عصفور.

نحو السماء يتوجهُ نظري من شرفة المنزل وصوت ألحانِ سيبير يصدع من هاتفي معيدًا عليّ أشجاني ففي برود صيف ليل القاهرة، ومن هذه الشرفة اللعينة؛ أتذكر كيف كانت تُغني...

قاطعني صوت سيبير من بين ألحان الفولك: ''للبحارة!'' ابتسمت وقلت في نفسي: ''لا يا عزيزي... في حالتي هذه لم تكن تغني للبحارة... كانت تغني لعصفور أو بغبغاء لا أدري... في قفص في شرفتها... كل ليلة... في نفس التوقيت، ليغرّد العصفور فرحًا... بينما وقع صوتها يجلد قلبي، بينما تبتسم لتعطي المشهد جمالًا، أم أنها تهزأ بي بابتسامتها الآسرة... فهي تعلم تمام العلم أنني أراقبها كل ليلة ولا أهتم ماذا تظن بي، فلم أعد أستطيع النوم من دون أن أسمعها تنشد ''عصفور طل من الشباك وقالي يا نونو''.

ثم انقطعت، لا أدري لماذا؟ القفص ما يزال في الشرفة... وأكاد أجزم أنني أسمع العصفور بداخله يصرخ شوقًا إلى إنشادها... ليخيم على الشرفة جوٌ بارد كئيب... ما زلت إلا هذه اللحظة أحاول أن أتذكر كيف كانت تبدو وما يزال صدى صوتها عالق في أذناي....

كل ليلة أقف في الغرفة منتظرًا ظهورها إلا أنها كل مرة تُخيب ظني لالتقط الهاتف أرفع الصوت ... وأغني مع ألحان الموسيقى في حزن... بينما أغلق الشرفة لأرتمي على السرير فاقد الأمل...

''أصبح من الصعب
أن أجدك في ذكرياتي...
أطوي جراحي، وأحاول أن أغط
عميقًا في النوم...
محاولًا سد الفراغ.''

The Birdcage Impressionist women -  Frederick Carl Frieseke



أراكم المرة القادمة...

الخميس، 28 مايو 2015

بول شيت - 11#: حسن.

كان في خيمته يُدّخن حشيشةٍ قد سرّبها له أحد معارفه من الحرس، لم ينم منذ أيامٍ وكانت هذه الليلة هي فرصته الوحيدة أن ينال قسطًا من النوم. كان اسمه صالح وطالما كان ذلك بالنسبة إليه عجيبًا، فهو أبعد ما يكون عن الصلاح، الذي لا يعرف حتى ماذا يعني... كل ما عرفه في حياته أنه سميّ هكذا بسبب جدته.

أخذ نفسًا من الحشيشة بينما كان يفكّر في فرصته في هذا المكان أن يكون صالحًا، وأن يكّفر عن سنوات الضياع والبلطجة التي عاشها قبل مجيئه إلى هذا المكان، وأخذ يُنشد في شجن...
يا مصر قومي وشدّي الحيل...
قاطعه حسن شريكه في الخيمة مقهقهًا بعد أن أيقظه دندة صاحبه: بقالنا 30 سنة بنقول يا مصر شدي الحيل، شدي الحيل، وشكل كدة مصر هتطلع في الآخر قعيدة أو مبتسمعش... وشكلنا في الآخر هنطلع بنـAbuse disabilities....
بنأبيوظ... الله يرحم جدك... كان بيشرب الشربه بخرطوم الغسالة، يخربيت كآبة أهلك يا شيخ، هتبوظلي الدماغ...
قالها صالح بينما كان ينفث نفسًا من حشيشته، واستطرد قائلًا: مصر دي يا أبني كيان بيحتوينا كلنا...

فأنفجر حسن ضاحكًا وقال لصالح ساخرًا: إحنا بنصرف على مصر يا صالح، إحنا اللي بنحتوي مصر يا حبيبي، بتدفع تمن العربية مرتين علشان مصر، بتججدفع تأمينات علشان مصر، بتساهم في بنا مدارس خاصة علشان مصر، بتتقشف وبتدفع ضرايب علشان مصر.... وتيجي تقولي بتحتوينا... خش نام يا صالح، شكلك خرّفت من قلة النوم.
طب إيه اللي جابك الميدان طالما شايف كدة؟ يعني؟
فأعتدل حسن في مجلسه وقال في هدوء يثير الاستفزاز: والله كنت فاضي حبتين فقلت آجي هنا، أتدفّى مع المتظاهرين... جرا ايه يا صالح... فيه ايه يا اخي... أهو بنجرب حظنا، وخلاص يمكن تضرب معانا، لونها مقفلة من كل نحية زي مانتا شايف.

أشعل صالح شمعةً ووضع عليه البراد وقال مبتسمًا من بين الدخان: لو إنتا شايف كدة يا حسن إمشي، وإنفلت بجلدك دلوقتي، علشان أنا مش مطّمن لبكرة...
إنتا شايف كدة يعني..
في هذه اللحظة انفجر صالح صارخًا: يعني كآبة ومعيشنا، مرواح مش عايز تروح، إحباط وقاعد تحبط فينا... جرا إيه يا حسن... حرام عليك يا شيخ...

هنا قام حسن من مجلسه وكانت حقيبته شبه جاهزة... وكأنّه كان يُعد لهذا المشهد منذ فترة... وخرج من الخيمة منكوس الرأس، ومن الخيمة إلى الممرات إلى الميدان حيث توقف للحظة ليتأمل الميدان لآخر مرة بينما كان بقية المتظاهرين ينظرون إليه في أسى ثم نظر نظرة مطولة إلى مجمع التحرير، وفجأة تبدلت ملامحة لحظة مشاهدته لضوءٍ أخضرعلى ملابسه يعرف معناه جيدًا، رفع رأسه ليعرف مصدر الضوء، لكن رصاصة القنّاص كانت في انتظاره.

تجمهر المتظاهرين، وهرع صالح إلى جثة حسن التي كانت غارقة في الدماغ، وقال في حسرة والدموع تملئ عينيه: غبي... غبي... يا حسن، بينما كان يعلوا صوت الهتاف: "يسقط يسقط حسني مبارك"

وفجأة تبدلت ملامحة لحظة مشاهدته لضوءٍ أخضر...

تمت.


أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 4 مايو 2015

بول شيت – 10#: وهم.

حياتنا يا ولدي 
وهمٌ...
يحكمهُ 
القدر والمكتوب.

الظاهر فيهِ
تيسيرٌ...
والقدرُ 
يحاسبُ بالمعكوس.

يُمهل الفقراء 
فقراً...
ويزيدُ
الظالم في الملكوت.

في السماء قالوا:
’’جنّةٌ...
وفي الأرض 
هباءٌ منثور.‘‘

فسبّحوا بحمدها
ليلًا...
وشدّوا
الرحال لدرب الخلود.

[تصفيق حاد]

*******

يفتح أحد صفحاتِ أحد الكتب السماوية ليقرأ:

بسم الله الرحمن الرحيم
’’فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ‘‘

[ليتمتمُ الحُضور: صدق الله العظيم]
وليكمل...

سجينٌ والوطنُ 
سجني...
وحَرفي
سكينٌ مسمومُ.

أدوّن الحرف 
ألمًا...
والقلبُ
ضامرٌ مهمومُ.

[يهب أحد الحضور مغادرًا 
ويصيح في زوجته كي تتبعه: "يلا بينا، زمان أمن الدولة جاي يلمهم كلهم"]
إبتسم الشاعر وأشعلسيجارة وأخرج أحد الأوراق من معطفه وقال ساخرًا بينما ينفث نفسًا:
’’وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ‘‘
وأخذ يقرأ في حماس:

نعيش الأوهام 
ننشدها...
والقلبُ
في غمرته ماضِ.

يقولون مذنبٌ 
والذنبُ كفرٌ...
ومحاكمةٌ
بلا قاضٍ.

إلي القبورِ تصبوا 
آمالنا...
والقدرُ 
في تقديرهِ قاسٍ.

في مستنقعات الوهم 
ظلٌ وطيفٌ...
وقلبٌ 
في وهم سرابه باقٍ.

[يُخرج أحد الحضور طبنجة ويصيح بهيسترية بينما يطلق النار،
على الشاعر ومن بجواره على المنصة: "أنا هوديكم لوهم سرابكم، يا ولاد الكلب يا كفرة."]

*******

تمت.


بورتريه لـحسن الصبّاح.


أراكم المرة القادمة...

السبت، 11 أبريل 2015

سمايلي فيس.

كانت الشمس في طريقها إلى المغيب، ترسل آخر تحيّاتها إلى الأرض على هيئة أشعةٍ حمراءٍ تُغازل السحب خالقةً لوحةً فنيةً متباينةِ الألوانِ في سماءٍ تصدع بآمالٍ وآلامِ بشرٍ قد اختاروها ملاذًا...

نظرَ إلى هذا المشهد، بينما كان الوجه البارد للتعبير الرقميّ المبتسم "smiley face" على هاتفه، يُؤرق عقله، ويأخذه في محيط تساؤلاتٍ يهيج بطوفان الحيرة التي تؤرق العين، فمنذ متى وكان الرد على كلمةِ أحُبُّكِ، بهذا التعبير البارد المقتضب المثير للريبة؟، أقالها مُبّكرًا؟، أمبكرٌ 3 سنوات، قضوها معًا بحلوها بمرها، تشاركا فيها حلوها ومرها، وقد كانت التلميحاتُ حاضرةً في كل رسالة نصية، وفي كل بسمة ونظرةٍ تبادلاها في المدرج، وأمام الكافتيريا، وتلك البسمةُ التي ارتسمت بدون مقدماتٍ عندما سألها كاذبًا عن محاضرةٍ كتبتها، ليستعير كشكولها كي يُقدم على حركته الساحرة والفصل الأول في مجازفةِ حبٍ يصعبُ توقع مآلها...

- باشمهندسة، كتبتي محاضرة دكتور إبراهيم اللي فاتت، ممكن كشكولك أصورها أو أنقلها لو معندكيش مانع يعني؟

كان يتلعثم في سؤاله، ويتصبب عرقًا أضحك عليه زملائه وزميلاتها، اللاتي لم ترحمنه بنظراتهّن الساخرة، وهي جاهدت نفسها لتمسك عنها ضحكاتها، لم يدري أكانت تجنّبه السخرية، أم كانت تُشفق عليّه؟ وحين أعطته الكشكول، كأنها سقت الماء لنبتةٍ أوشكت على الذبول، سرى الحبُ في عروقه لأول مرةٍ، وأقسم أنّه لن يُفسد الأمر بلامبالاته المعهودة، هرع كالطفل إلي البيت حاملًا الكشكول، الذي يُمثل بالنسبة إليه مفتاح القيد، الرقم السريّ لنظامٍ حاسوبيّ مُعقّد من عاداتٍ وتقاليدٍ وقيودٍ من آلافِ سنة، وكلمةِ السر كشكولٍ وعبارةٍ أو رسالةٍ سيحملها إلى مجازفةٍ وحده الخالق من يعلمها...

كانت خطته بسيطةً جدًا، سيكتُب في الكشكول بيتين شعريين يحملان اسمها، يأثرانها ويكونانِ كافييّن أن يحركانِها نحوه ببطيء محطميّن جدار الصمت، عابران بها إلى محيط الصداقة، ومن ثم إلى الحب شيئًا فشيئًا، لا يهم فما زال لديهما من الوقت 5 سنواتٍ سيقضيانها مع في حرم الجامعةِ المضطرم بدروبٍ شتى من القصص والحكايات والنوايا السيئة، ولكن قصته وحكايته حقيقية ونيّته سليمة...

وفي الحرم،
عينيّن خُضرٌ
وكشكولٍ بخط أزرق وأحمر. 
يحملُ رسالتي إليكِ
فلنمضي يا ياسمينُ
والاسمُ أشرف.

كتب هذين البيتين العابثين، بقلم أزرق وقام بتشكيلها بقلمٍ ذهبي حكي يخفي رداءة الشعر في منظرٍ باعثٍ للبهجة وطوى الورقةِ بحرفيةٍ ماهرةٍ على طريقة الأورجامي على شكل بطةٍ لأنّه عرف من صفحتها على الفيس بوك أنّها من عشّاقِ "Prison Break"، ووضع الكشكول على مكتبه، وغط في نومٍ عميق يحلم بكيف ستقابلُ مغامرته الكلاسيكية...

وجاء الميعاد، وسلمها الكشكول، وبادرها بكلمةِ شكرٍ مقتضبة وغادر مسرعًا كي لا تكتشف البطة فيه وهو ماثلٌ أمامها، فأسرع الخطى مغادرًا ولكنّه للأسف سمع ضحكاتِ زميلاتها وأصواتٍ تنم عن السخرية فزاد من سرعته مختفيًا بين الأشجار المقابلةِ للكافيتريا، لم يكن يعلم آن ذاك أنها تركت له رقم هاتفها في المحاضرة التي سأل عنها، كان من الممكن أن يتجنب إحراجها وإحراج نفسه ووضع نفسه في موقفٍ لا يُحسد عليّه.

بعدها، إنقطع عن الجامعة لمدة أسبوعٍ آملًا أن تزيل السبعةِ أيامٍ هذه مرارة الموقف، كان فاقدًا الأمل، وذهب كعادته إلى الكافيتريا ليشرب قهوته السوداء، ليس حدادًا على ضياع فرصته، ولكنها عادته اليومية، وفوجئ بها أمامه أمام الكاشير، لا يدري ماذا يفعل؟ سمعها تقول للكاشير بصوتها الأعذب... «قهوة فرنساوي لو سمحت»، وأخذت إيصالها، وحوّل نظره في جبن هو كي يتلاشى مواجهتها، رأته ورأت فعله، وأصبح في مواجهة الكاشير الذي يعرفه شاردًا... فقاطعه الكاشير... «أشرف، قهوة مظبوطة زي كل مرة ولا هتاخد حاجة تانية؟»، فقاطعه محاولًا تدارك الموقف... «لا، لا، يا جو أنا هاخد فرنساوي النهاردة...» فأنفجر الكاشير ضاحكًا وقال له بينما يعطيه الإيصال مداعبًا... «ربنا يسهّله يا عم»، فأشاح له أشرف بيده وأسرع ليلحق بها ليعتذر منها، عمّا بدر منه...

اقترب منها وكانت تتحاشاه مسرعةً، فقال لها وهو يحاول اللحاق بها...

- آسف يا ياسمين، معلّش لو سببتلك أي إحراج، أوعدك مش هتتكرر تاني...

فتوقفت للحظة واستدارت فتوقف جسده عن المشي تلقائيًا ليتأمل تعبيراتِ وجهها الغاضبة عليه، لكنّ المفاجأة أنّها لم تتمالك نفسها من الضحك وقالت ضاحكةً... أتفضل يا أشرف البتاعة دي ها، نسيتها في كشكولي إمبارح... وغادرت والبسمة تعتلي وجهها الذي زاده جمالًا مكياجها الغير متكلفٍ... وشعر ساعتها أنها النهاية، نهاية حكايته، لن تأخذه على محمل الجد مرةً أخرى وقف يتأمل البطة المطويّة... وفتحها كي يرى أقرأت البيتين أم لا... ليجد في بجانب السطرين... علامة " : ) " الوجه التعبيريّ المُبتسم، وبجانبه رقم تيليفونها.

كانت الليل قد حل، ومازال أشرف في بلكونة غرفته ممسكًا هاتفه متأملاً الوجه التعبريّ المبتسم، وقد انفرجت أساريره، إذ فهم أن ردها بهذا الوجه المبتسم البارد الملامح، العديم المعنى... يعني حقيقةً... «وأنا أيضًا أحِبُك».

 وطوى الورقةِ بحرفيةٍ ماهرةٍ على طريقة الأورجامي على شكل بطةٍ...


أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 9 مارس 2015

هوامش على دفتر البؤس...

لم تعد مشاهد القتل والدماء تُرهبنا، ولم تعد صور البيوت المهدّمة وأصوت الانفجارات تستوقفنا، أصبحت شيئًا عاديًّا شبه يوميّ، متى وصلنا إلى هذا الحال؟ أتذكر منذ وقتٍ قريبٍ عندما كنّا نرى تلك المشاهد من بعيدٍ في حسرةٍ، ونحمد الله سرًا على أحوالنا. والآن ها نحن نستيقظ عليها كل يوم، وتفتح تساؤلنا على ما إن كنَّا نستحق حقًا هذا الوضع... وحين نفّكر حقًا، نجد أنفسنا ندخل المعترك المحرّم، ونتساءل عن قضايا وجودية تُبدِّل بئسنا بؤسًا فوق بؤس... فيغلبنا اليأس، وتجابهنا أشباحٌ تثرثر عن الخيانة...

لم نعد نشتهي الكلام، وإن اشتهيناه نُوَاجَهُ بسلاسل من الاتهامات والقوّلبة، حتى أننا نسأل أنفسنا قبل أن يتهوّر لساننا ويفعل ما يجيده عن ما إن كان رأينا مُهمًا وما إن كان الأمر يستحق، هل يستحق الأمر أن أكون مُصّنفًا، أن أتحمّل عبئًا فوق عبئنا... عبئَ القولبة الفكرية؟ 

فنصبح متهافتين متمَيّعين، نستحسن أن نكون على مسافة متساوية من جميع الأطراف، فنجد من يقول أنّه إسلامي علماني بنظرة رأسمالية تستحسن الاشتراكية، من يقول أن الانقلاب كان قرارًا صحيحًا وغير صحيح في نفس الوقت... فنكتب المقال ونذيليّه بأحاديثٍ ديّنية، نقرأ الكتب فتعجبنا وتلمسنا ليلًا ثم نُصبح نلعنها على صفحاتِ التواصل الإجتماعيّ لأنها كانت خارجةً بعض الشيء... 

ونستمر هكذا إلا أن نكتشف يومًا أننا لا نعرفنا، وأننا بلا شخصيّة أو رأيٍ سليم على الأطلاق، كل ما قلناه لم نكن نعنيه، وكل ما عنيناه لم نعنيه لأننا كنا نعني شيئًا آخر؛ أسرّرناه كي لا نصبح موصومين به، ونضع أنفسنا في دوائر رأينا الذي لم نجد عليه آبائنا وأجدادنا. 

البارحة كنت أجول الشوارع بحثًا في وجوه الناس عن شيءٍ يدفع للكتابة، وصادفت أطفالًا تعتليهم ذلك الوجه الغير مدركٍ لما يدور حوله، تلك الملامح البريئة التي وُضعتَ بلا مستقبل خطئًا وكِبرًا من أبٍ يريد أن يثبت للمجتمع أنه الـAlpha Male وأنّه البريمو، وأمٍ تريد أن تثبت للمجتمع عِفتها وحفاظها على نفسها وتُحقق سنّة الله في الأرض كما قالت لها أمّها ليلة زواجها، وأن تربط الأب بها كي لا يُثّني ويُثّلث...

والحقيقةُ الواقعة، أنني لم أعد أشتهي الكتابة، لم يعد شيئًا يجذبُ إنتباهي حتى الأوضاع السياسية أصبحت مكررّة بشكل مُستفزٍ يثير الاشمئزاز وكأننّا نعيش في فيلمٍ وثائقيّ عالقٌ في زر الـRewind، كل أحلامي أدركتُ مؤخرًا أن مصيرها محتومًا، سأنهي الجامعة، وأبحث عن عملٍ يستنفذ وقتي بكامله، من أجلِ بضع جنيهاتٍ لا تُثمن ولا تغني من جوع، ثم تمضي السنين شيئًا فشيئًا ليُدركني المجتمع والزمن بقيوده، الزواج، الطفولة، إلخ... ثم موتٌ...

أتطلع دومًا إلى شرفة غرفتي وأتساءل كثيرًا ما الذي يمنعني من القفز، من سيأبه؟ وأسمع بإستمرار صوت توباك شكور في أذني: ’’ولو حدث ومِتُّ صغيرًا، من يأبه؟*‘‘، فعلى الأقل الانتحار سيكون خياري، وليس ما يحّتمه عليّ قدري المشئوم في هذا المجتمع...


طالما كان يؤرق تفكيري فيلم Into The Wild وما قد...

طالما كان يؤرق تفكري فيلم Into The Wild وما قد يدفع شخصًا مثل كريستوفر، للهروب؟ والآن، أفهمه، وأشعر به، وكم أتمنى أن تتاح لنا الفرصة لنلحق قريبًا به، في رحلةٍ أخيرة، للنقاء، للحياة من أجل الحياة... بعيدًا عن هذا المستنقع الكئيب الكاذب المُفتعل المليئ بنسخٍ مُكررة من أشخاصٍ بلا حياة.


أراكم المرة القادمة...

الخميس، 12 فبراير 2015

بول شيت - 9#: لا أعلم!

فلتُخبريني عنّي، فأنا لا أعرفني...
وموقنٌ بأنني لا أعلم.

لا أدري من أينَ أتيتُ ولا أدري أين أنا؟
أمُستيقظٌ أنا أم أحلم؟

أصرتُ ضريرًا، أم أصمًا...
أمُتحدثٌ أنا أم أبكم؟

أتسمعيني؟ أتفهميني؟
أعربيٌّ أنا أم أعجم؟

لستُ أدري؟ وكيف أدري...
ولو أدراني، كيف سأخبركِ أننّي أفهم؟

لا أعلم، لا أعلم...
ولا أدري ماذا أفعل؟!

ماذا أفعل؟! ماذا أفعل؟!

فلتُخبرني عنّي، فأنا لا أعرفني...
وموقنٌ بأنني لا أعلم.

لا أدري من أينَ أتيتُ ولا أدري أين أنا؟
أحدّق نحوُ السحبُ؛ أمُستيقظٌ أنا أم أحلم؟

أتسمعيني؟ أتفهميني؟
أعربيٌّ أنا أم أعجم؟

لستُ أدري؟ وكيف أدري...
ولو أدراني، كيف سأخبركِ أننّي أفهم؟

لا أعلم، لا أعلم...
ولا أدري ماذا أفعل؟!

ماذا أفعل؟! ماذا أفعل؟!

’’تكرار حتى قيام الساعة‘‘
******
.Kosmur - Assembler

أراكم المرة القادمة...

الأربعاء، 28 يناير 2015

في الجحيم لقائنا...

عندما تتناثر الأشلاء في ربوع وطننا المجيد، وتعلوا أصوات المدافع والخراطيش، وتنظم الأقلام رثائها، والحناجر أناشيدها، ويقع الآملين في ورطة تجارتهم، ويضيق صدر الصابرين لوهنهم... ويتفكّر المتفلسفون في جدوى منشوراتهم... وينتشر المينستريم، وترفع الهاشتاجات... معلنة الحداد... مُبشرّة بالنصر... ويُرفع الآذان أن اعملوا للدار للآخرة... الدنيا ابتلاء... وفي الجنة الشهداء.

سمّاها أهلها الجنة، واجتمعت لوجودها كل الأديان، لا شيء مثلها... يذهب إليها الصالحون، والشهداء، والجوعى والمظلومين، تعطي للموت معنًى وتعطي للمظلوم أملًا في عالم ثانٍ... حيث النعيم والأبدية، لكن للجنة شروط تذكرتك إلى الجنة تتطلب موتك... وبعض أوراقٍ من رجال الدين، الذين يملكون توكيلات الإله... الوساطة المُقدسة... التي تُحدد الفقير من الغني، الظالم من المظلوم، الصالح من الطالح... نعم هم من يحددون... حتى الشهداء.

كان للفيلسوف كارل بوبر مقولة شهيرة: «أن من يعدوننا بالجنة على الأرض لم يعطونا إلا جهنم.»، ويبدوا في النهاية أن الجنة ما هي إلا الملاذ الأخير للأوغاد، ليتاجروا بما تبقى لدى المُستضعفين، تجارة بالجنة، فالفقر من أجل الجنة والظلم من أجل الجنة والشهادة من أجل الجنة، والتظاهر من أجل الجنة، وقتل المتظاهرين أيضاً من أجل الجنة.

نسف صدّام حسين قرىً بأكملها وشرد الآلاف وقتل من وقف ضده، وفي النهاية أعطاه رجال ديننا صك الشهادة والجنة، وأصبح شهيدًا، شهيدًا فقط لخطبةٍ ألقاها، كفّرت له عن آلاف وآلاف من القتلى الذين عارضوه، قتل السيسي المئات وعذّب وأعتقل الآلاف ولربما في آخر عمره يتوب، ويصبح شهيدًا هو الأخر.

قمة السيطرة أن تملك مفتاح الجنة، أن تُسيّر الجيوش طمعًا في الآخرة، وربما شهادتك هذه وجنتك هذه لا وجود لها... وربما هي وهم من الأوهام التي خلقنّها لنعطي معنىً لموت من نحب، أملًا في أن نلتقي من نحب مرة أخرى... منذ أيام توفيت شيماء الصباغ، كانت إشتراكية وربما تكون أيضًا شيوعية، كانت متبرجةً، أهيّ شهيدة في معاجمكم وقواميسكم، أم يلزمها الحجاب كي تصبح شهيدة، أو أن تكون في فئتك كي تكون شهيدة...

صورة توضيحية... توضح أن شيماء لم تأخذ صكًا بالشهادة بعد.*

قيل من قبل في مجلس الشعب أنّه لا يجوز أن نقول على من مات في محمد محمود شهيدًا وإنما قتيل لأنهم كانوا بلطجية... ومرت الأعوام واصبحوا لمن كانوا يقولون ذلك شهداءًا صالحين ذ,ي رؤية صائبة... أرئيت كيف ينقلب البلطجيّ شهيدًا... والشهيد بلطجيًّا أو إرهابيًا... أي يعني أن من مات في محمد محمود تعذّب في النار 4 سنوات ومن ثم بعد أن أخذ الصك أصبح شهيدًا... وبالتالي أُخرج من الجنة.

أرئيتَ إن تاب السيسي ومٌبارك، ورضيّ عنهم جميع الساسة وتصالحوا وأصبح كل الشهداء من 2011 وحتى يومنا هذا بلطجيةً وخائنين، بشهادة رجال الدين... وخلّدوا أبد الدهر من الكافرين... كابن المقفع عندما انتقد الوالي، ليصبح فجأة من الملحدين الكافرين وقتل بدم باردٍ، ومازالت الفتاوي حتى الآن من رجال الدين تشير إليه بأنه ضالٌ مضلٌ... وستبقى أبياته الخالدة... شاهدةً على تحديّه الشجاع للوالي...
’’إِذَا مَا مَاتَ مِثْلِي مَاتَ شخصٌ…
يَمُوتُ بِمَوْتِهِ خَلْقٌ كَثِيرُ.

وأَنْتَ تَمُوتُ وَحْدَكَ لَيْسَ يَدِرِي…
بِمَوْتِكَ لَا الصَغِيرُ وَلَا الكَبِيرُ.‘‘
- ابن المقفع.
لا أدري متى ينتهي هذا العبث وهذا الستخفاف السافر بعقول الناس واللعب بالمصطلحات؟!، وكأنّهم يملكون خزائن رحمة الإله، ويجادلونك هذا مات مُبتسمًا إذا هو شهيد، ألم تعلم أن تشي جيفارا كان ملحدًا ومات مُبتسمًا أهو شهيد هو الآخر؟!، نفذ ما تُتاجرون به، ولم يتبقى سوى المتاجرة بحيواتِ الناس...  وفي سبيلكم أنتم... ولا أحد غيركم... لا أريد جنتكم... ولا شهادتكم... وإن كان مقالي هذا خروجاً على الملة، إذًا ليكن في الجحيم لقائنا.

الضمير - فرنسوا شيفلريت
*) المصدر: http://goo.gl/vrD8pg

أراكم المرة القادمة...