الخميس، 28 مايو، 2015

بول شيت - 11#: حسن.

كان في خيمته يُدّخن حشيشةٍ قد سرّبها له أحد معارفه من الحرس، لم ينم منذ أيامٍ وكانت هذه الليلة هي فرصته الوحيدة أن ينال قسطًا من النوم. كان اسمه صالح وطالما كان ذلك بالنسبة إليه عجيبًا، فهو أبعد ما يكون عن الصلاح، الذي لا يعرف حتى ماذا يعني... كل ما عرفه في حياته أنه سميّ هكذا بسبب جدته.

أخذ نفسًا من الحشيشة بينما كان يفكّر في فرصته في هذا المكان أن يكون صالحًا، وأن يكّفر عن سنوات الضياع والبلطجة التي عاشها قبل مجيئه إلى هذا المكان، وأخذ يُنشد في شجن...
يا مصر قومي وشدّي الحيل...
قاطعه حسن شريكه في الخيمة مقهقهًا بعد أن أيقظه دندة صاحبه: بقالنا 30 سنة بنقول يا مصر شدي الحيل، شدي الحيل، وشكل كدة مصر هتطلع في الآخر قعيدة أو مبتسمعش... وشكلنا في الآخر هنطلع بنـAbuse disabilities....
بنأبيوظ... الله يرحم جدك... كان بيشرب الشربه بخرطوم الغسالة، يخربيت كآبة أهلك يا شيخ، هتبوظلي الدماغ...
قالها صالح بينما كان ينفث نفسًا من حشيشته، واستطرد قائلًا: مصر دي يا أبني كيان بيحتوينا كلنا...

فأنفجر حسن ضاحكًا وقال لصالح ساخرًا: إحنا بنصرف على مصر يا صالح، إحنا اللي بنحتوي مصر يا حبيبي، بتدفع تمن العربية مرتين علشان مصر، بتججدفع تأمينات علشان مصر، بتساهم في بنا مدارس خاصة علشان مصر، بتتقشف وبتدفع ضرايب علشان مصر.... وتيجي تقولي بتحتوينا... خش نام يا صالح، شكلك خرّفت من قلة النوم.
طب إيه اللي جابك الميدان طالما شايف كدة؟ يعني؟
فأعتدل حسن في مجلسه وقال في هدوء يثير الاستفزاز: والله كنت فاضي حبتين فقلت آجي هنا، أتدفّى مع المتظاهرين... جرا ايه يا صالح... فيه ايه يا اخي... أهو بنجرب حظنا، وخلاص يمكن تضرب معانا، لونها مقفلة من كل نحية زي مانتا شايف.

أشعل صالح شمعةً ووضع عليه البراد وقال مبتسمًا من بين الدخان: لو إنتا شايف كدة يا حسن إمشي، وإنفلت بجلدك دلوقتي، علشان أنا مش مطّمن لبكرة...
إنتا شايف كدة يعني..
في هذه اللحظة انفجر صالح صارخًا: يعني كآبة ومعيشنا، مرواح مش عايز تروح، إحباط وقاعد تحبط فينا... جرا إيه يا حسن... حرام عليك يا شيخ...

هنا قام حسن من مجلسه وكانت حقيبته شبه جاهزة... وكأنّه كان يُعد لهذا المشهد منذ فترة... وخرج من الخيمة منكوس الرأس، ومن الخيمة إلى الممرات إلى الميدان حيث توقف للحظة ليتأمل الميدان لآخر مرة بينما كان بقية المتظاهرين ينظرون إليه في أسى ثم نظر نظرة مطولة إلى مجمع التحرير، وفجأة تبدلت ملامحة لحظة مشاهدته لضوءٍ أخضرعلى ملابسه يعرف معناه جيدًا، رفع رأسه ليعرف مصدر الضوء، لكن رصاصة القنّاص كانت في انتظاره.

تجمهر المتظاهرين، وهرع صالح إلى جثة حسن التي كانت غارقة في الدماغ، وقال في حسرة والدموع تملئ عينيه: غبي... غبي... يا حسن، بينما كان يعلوا صوت الهتاف: "يسقط يسقط حسني مبارك"

وفجأة تبدلت ملامحة لحظة مشاهدته لضوءٍ أخضر...

تمت.


أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 4 مايو، 2015

بول شيت – 10#: وهم.

حياتنا يا ولدي 
وهمٌ...
يحكمهُ 
القدر والمكتوب.

الظاهر فيهِ
تيسيرٌ...
والقدرُ 
يحاسبُ بالمعكوس.

يُمهل الفقراء 
فقراً...
ويزيدُ
الظالم في الملكوت.

في السماء قالوا:
’’جنّةٌ...
وفي الأرض 
هباءٌ منثور.‘‘

فسبّحوا بحمدها
ليلًا...
وشدّوا
الرحال لدرب الخلود.

[تصفيق حاد]

*******

يفتح أحد صفحاتِ أحد الكتب السماوية ليقرأ:

بسم الله الرحمن الرحيم
’’فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ‘‘

[ليتمتمُ الحُضور: صدق الله العظيم]
وليكمل...

سجينٌ والوطنُ 
سجني...
وحَرفي
سكينٌ مسمومُ.

أدوّن الحرف 
ألمًا...
والقلبُ
ضامرٌ مهمومُ.

[يهب أحد الحضور مغادرًا 
ويصيح في زوجته كي تتبعه: "يلا بينا، زمان أمن الدولة جاي يلمهم كلهم"]
إبتسم الشاعر وأشعلسيجارة وأخرج أحد الأوراق من معطفه وقال ساخرًا بينما ينفث نفسًا:
’’وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ‘‘
وأخذ يقرأ في حماس:

نعيش الأوهام 
ننشدها...
والقلبُ
في غمرته ماضِ.

يقولون مذنبٌ 
والذنبُ كفرٌ...
ومحاكمةٌ
بلا قاضٍ.

إلي القبورِ تصبوا 
آمالنا...
والقدرُ 
في تقديرهِ قاسٍ.

في مستنقعات الوهم 
ظلٌ وطيفٌ...
وقلبٌ 
في وهم سرابه باقٍ.

[يُخرج أحد الحضور طبنجة ويصيح بهيسترية بينما يطلق النار،
على الشاعر ومن بجواره على المنصة: "أنا هوديكم لوهم سرابكم، يا ولاد الكلب يا كفرة."]

*******

تمت.


بورتريه لـحسن الصبّاح.


أراكم المرة القادمة...