السبت، 30 يناير، 2016

في النهاية... غلبان!

وسط ألحانٍ صامتةٍ تعزفها القلوب، وعلى إيقاعها المتوازن تصطّف الأجسادُ وسط الصمت المُخيّم على المكان، يتنفسّ الجميع الصعداء، وترتفع الأعين للسماءِ مرةً أخيرة لتودّع النجوم، لينعكس ضوء القمر الساطع على الأعين كاشفًا الدموع في عين الجميع... لتردّد بعض الألسنةُ الشهادتين والأخرى الصلاة الربانيّة...

يتناسى الجميع الفروقُ حين يقترب الأجل تتشابه الألوان والأشكال والأحرف، يتقبّل الجميع أخيرًا الحقيقة الواقعة بأنهّم سواءٌ أمام الموت، تتّخذ الأيادي وضعيّة الاشتباك، تلوح في الأفق وسط زئير الهتاف علامات البداية لتبدأ المعركة وتقترب لبدايتها النهاية؛ تتعارك الأيادي، بعضها يحمل الشماريخ والبعض الآخر مدججٌ بالسلاح لتضفي لجانبها امتيازًا يخور أمام الشجاعة والإصرار الذي تعتقد الأياديّ الحاملة للسلاح أن باستطاعتها تبديده بإطلاق الرصاص...

تتعارك الأيادي، بعضها يحمل الشماريخ والبعض الآخر مدججٌ بالسلاح 

وينطلق الرصاصُ عن قناعةٍ داخليّة يقودها حقدٌ قد ولّده جهلٍ يُردّد: «نحن الأسياد، وغيرنا هم العبيد!» ليسقط العشرات، وبسقوطهم تنفتح بوابات جحيم الغضب، تتقدّم الأجساد المصطفة في ثباتٍ وكأنها منيعة ضد الرصاص في اتجاه مطلقيه من أفراد الأمن الذي تملكّهم الرعب وصاروا يتقهقرون متخفيين في مدرعاتهم معلنين عن هزيمتهم النفسيّة، محاولين لملمة أشلائها بطلقات عشوائيّة وخطوطٍ من مياهٍ يائسة عاجزة ورسائل في اللاسلكي تصيح: «خلاص الشعب ركب كدة!».

ليهرب من كان حاملًا السلاح، ويقف في زهوٍ ذلك الذي هزم الأسلحة والغاز أمام سياراتِ الأمن المركزيّ التي قد التهمتها النيران، ليعلن عن انتصاره، وليكشف عن مفهوم علاقة الشرطة بالشعب، فموجة اللاسلكيّ تعلنها صريحةً أن العلاقة بين الشرطة والشعب علاقة راكب ومركوب، وأنّ الشعب عندما انتصر لنفس لأقل حقوق الإنسانية والتعبير عن الرأي أصبح في نظر الشرطة "ركب خلاص"، وذلك يعطي تفسيرًا منطقيًا لانسحاب الشرطة ساعتها!

ومضت دقائقُ النصر، وطوت الأيام ورقتها وكتب المنتصرُ بزيفِ قلمه عن تلك الدقائق أنها كانت موجاتُ شغبٍ من متطرفين يلتحفون ثوب شبابٍ، وأن ذلك لم يكن ليكون شبابًا مصريًا، فالشباب المصريّ في نظرهم دائمًا مُذعن وراكعٌ لأسياده، واقع في ثوب المجتمع المحافظ، أسيرٌ لشبح الاستقرار، مُكبّل بقيودٍ عسكرية، كل فرص الرفض منعدمةٍ...

"لن تصدق ماذا قدموا للشرطة في ٢٥ يناير ٢٠١٦"
نزلنا نحتفل بعيد الشرطة في عز البرد علشان محدش يزايد علينا."لن تصدق ماذا قدموا للشرطة في ٢٥ يناير ٢٠١٦"
Posted by Shady H. AbuZaid on Monday, January 25, 2016


كل تطلعاته لمستقبلٍ أفضل ذهبت أدراج الرياح، لم يتبق منها إلى ذكرىً يتذكرها كل عامٍ ليروي حكايتها، ويتأمّل ميدانه المُغلقّ والمسوّر ببواباتٍ حديديّة لا يدخلها إلا من قد آمن بالنظام وكفر بالثورة وإنصاع للهوان، بلا هويّة، مصفقون للطغاة... لا حل لدخول الميدان سوى التخفي في زيهم وتوزيع بالونات على أفراد الشرطة في ذكرى الثورة، في مشهدٍ سرياليّ لبالوناتٍ مصنوعةٍ من "واقي ذكري" تحمل رسالة تقول: "من شباب ثورة 25 يناير!: -لا تتكاثر-".

لتهتز الدولةُ بمدرّعاتها وأجهزتها وقواتها لهذا الفعل، معلنةً للعالم أن ضربة شابين كانت أكبر من مظاهراتٍ زاحفة، وأن النظام ينهار لمقطعٍ مصوّرٍ كوميديّ! وليرتفع بوق الدولة المحفوظ ليعزف نغمة على المشاعر الساذجة لعوام شعبٍ بأن أفراد الشرطة غلابه، وأن الاعتراض بالكاندوم إهانة... وأن الشرطة لن تسكت عن هذه المهانة!

أتدرون ما الوقاحة؟
أن تقتل، وتسحل، تُعذّب، وتضّلل؛ وفي النهاية تكون... غلبان!




أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 11 يناير، 2016

بول شيت - 16#: فراغ!

فراغٌ أنا...
يسبح في الفضاء.
من عدمٍ أنا...
وإلى العدمِ القضاء.

مجبولٌ على الوَهَنِ...
موصومٌ بالشقاء.
أجاهدُ القدر...
أقاتل للبقاء.

مجنونٌ مُسافِر؛
في صحراء أعافِر...
وحيدًا بلا سِقاءْ*.
أعزلَ ولا غِطاء...
بلا ثورٍ أو حِراءْ.

فما أنا سوى...
مجبولٌ على الوَهَنِ...
موصومٌ بالشقاء.
أجاهدُ القدر...
أقاتل للبقاء.

حتى أسقط
جثة...
بلا حراك.

*******

.The Absent by Kosmur
*) سِقاءْ: وعاء من جلد يحمل الماء.

أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 1 يناير، 2016

بول شيت - 15#: لا شيء!

«لماذا نحن هنا؟»

لابد لهاذا السؤال أن يراودك في لحظة ما من حياتك، أو من الممكن أن يكون راودك مراتٍ ومرات... أما أنا فأتذكر تمامًا أول مرة سمعت هذا السؤال، عندما كنت صغيرًا كان في إحدى أغاني مسلسلٍ للأطفال يُدعى (حياة الدمى السريّة)...

«لماذا يعيش السمك في الماء؟
ولماذا الإثنين قبل الثلاثاء؟
لماذا نحن هنا؟ 
سؤالٌ صعبٌ، سؤالُ صعبٌ
سؤالٌ يراودني!»*

لكن بحق، لماذا نحن هنا؟ هل لنعبد، أم لنلهو، أم لنضمن استمرار فصيلنا البشريّ بالتكاثر، تعددت الأطروحات التي تحاول جاهدة يائسة أن تعطي للوجود معنًا، ولربما ليس للوجود معنًى! ربما كل تلك المحاولات هي محاولة إعطاء اللا شيء قيمة، ربما حقيقة نحن لا شيء والحياة التي نعيشها هي مجرد شيء لا يعني ولن يعني شيئًا، ربما ليس هناك ما بعد الوجود، فلم يكن للوجود وجودًا قبله، ويبدوا من المنطقي ألا يوجد بعد الوجود شيء!

حياتنا كفيلمٍ نعرف نهايته، ولا نجرؤ أن نغادر قاعة المشاهدة لأننا نعتقد أن القيمة والمعنى الحقيقي هي للأحداث والأفعال التي نعايشها ونفعلها، أو ربما هي مجرد إيمانًا منّا بالصراع الأبدي للبشر لهزيمة الموت وسيادة الكون. أو ربما هي محاولة لإنكار حقيقة في أعماقنا أن حياتنا مجرد لا شيء نحاول بشتى الطرق أن نعطي له معنًا، ولنقتبس هاري دين:

«أنت لا شيء، وأنا كذلك! وليس هناك شيء،
ولا يوجد هدف. فاللا شيء تجعل كل ذلك التوتر والقلق ينتهي!».

لذا لندع كل التوتر والقلق، ولنحيا كما نحن، بدون قيود، حتى يحين وقتنا، نبدع ما ترتئيه مخيلاتنا! فنحن لا شيء في لا شيء لا يعني شيء ولا شيء يستطيع إيقافنا! ولا شيء يعلو فوق شيءٍ لا يعني شيئًا!

.Nihlism. by Aphariel.

*) يذكر أيضًا أن تلك الأغنية هي الوحيدة الغير موجودة على يوتيوب وجميع النسخ التي رفعت تم حذفها، وجميع النسخ الصوتية الموجودة تعج بتعليقاتٍ تسب المحطة والمدبلجين وتتهمهم بالإلحاد والفجور!

أراكم المرة القادمة...